هناك حديث ( صار مشهوراً , وللأسف) يقول " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله , ثم ليطرحه, فإن في احد جناحية شفاء وفي الآخر داء ". وهو موجود في صحيح البخاري , مما يعطيه هيبة بنظر معظم المسلمين نظراً لما يتمتع به الامام البخاري من مكانة مرموقة في علم الاحاديث النبوية .
وهذا الحديث به اشكالية كبيرة. فهو يتناقض مع المعلوم بالضرورة من مبادئ علمية مثبتة حول قذارة الحشرات ودورها في نقل الأوبئة والمايكروبات. والحديث به ادّعاء "علمي" حول أجنحة الذبابة وكيف ان أحدها ينقل المرض بينما الآخر يعالجه, وهذا طبعاً ما لا يقبله العلم الحديث الذي دخل في أعماق فسيولوجيا الكائنات الحية بكل انواعها ومنها الذبابة فلم يجد فرقاً يذكر بين جناحيها ولا وجد "الشفاء" في جناحها اليمين ولا "الداء" في جناحها اليسار! أبداً لم يحصل ذلك , ولم يقل به عالمٌ واحدٌ معتبر ٌمن علماء الاحياء والفارماكولوجي في هذا الكون , ولا ذكرته مجلة علمية , ولا تحدثت عنه نشرة ابحاث, ولا اكتشفته جامعة ولا تبناه مؤتمرٌ علميّ ولا ولا ,,,,
اذن هذا الادعاء غير صحيح من ناحية علمية. تلك مسألة محسومة. فماذا نفعل بالحديث اذن؟ والمشكلة أن هذا الحديث لا يقبل التأويل لأنه واضح جداً وصريح ومفصّل وبه توجيه عملي للانسان, مما يجعلنا غير قادرين على اجتراح تأويل مقبول للحديث يصرفه عن ظاهر معناه الى وجه آخر.
وهكذا لا يتبقى لنا سوى ردّ هذا الحديث ورفضه. ولكنّ الحديث قوي حسب معايير الفقهاء, فقد رواه البخاري في صحيحه, فهل نكذّب رسولَ الله (ص) ؟! معاذ الله , لن نفعل ذلك . ولكننا نقول , وبكل بساطة: ان رسول الله (ص) مُنزّه عن قول مثل هذا الحديث الذي يتناقض مع صريح العقل والعلم. رسول الله(ص) لم يقل هذا الحديث! هذا موقفنا وليغضب من شاء أن يغضب. كلا لم يقل النبي(ص) هذا الحديث الذي لو طبقه المسلمون لكان مضراً بصحتهم ولزاد من امراض أبدانهم.
ولكن ماذا عن البخاري وصحيحه ؟ نقول : ان البخاري رجلٌ يصيب ويخطئ, وقد اجتهد في جمع الاحاديث النبوية حسب معايير وضعها, ولكنه ليس معصوماً عن الخطأ والزلل. بعبارة أخرى نقول: ليس كل ما في "صحيح البخاري" صحيحاً ! وحديث الذبابة هذا نعتبره مما ليس صحيحاً في "صحيح البخاري". هذا اولاً.
وثانياً نقول : ان راوي هذا الحديث بالذات هو أبو هريرة. وهنا لا بد لنا من وقفة طويلة. فأبو هريرة بنظرنا محلّ تساؤل وشكوك. فسيرته تخبرنا انه لم يكن من البارزين أو المميزين في اوساط الصحابة , ولا كان وثيق الصلة بالنبي(ص) ولا من خلصائه ومقربيه. فهو ليس من المهاجرين ولا الانصار, ولا من أهل بدر ولا أحد ولا الخندق, ولا من أهل بيعة العقبة, ولم يكن من المجاهدين ولا أصحاب الرأي , بل لم تكن له أي قيمة تذكر أيام النبي(ص). كل ما هنالك انه كان واحداً من آلاف العرب الذين جاؤوا ليدخلوا في الدين الجديد بعد أن سمعوا أنه قد ظهر وانتصر. فقد جاء ابو هريرة للمدينة المنورة ودخل الاسلام في السنة السابعة للهجرة , بُعيد فتح خيبر! فصار من ضمن "أهل الصفة" الذين كانوا بلا عمل, مُعدمين جائعين, ولا يفعلون شيئاً سوى انتظار ما يجود به المحسنون في مسجد رسول الله(ص) في المدينة.
هذه خلفية ابي هريرة, وتلك حقائق ثابتة لا خلاف حولها. ورغم ذلك كله نجد أن أبا هريرة هو أكثر الصحابة رواية عن النبي (ص), فقد روى الالآف المؤلفة من الاحاديث, بل ان ما رواه لوحده من الاحاديث يزيد بمقدار أربعة أضعاف عن كل الاحاديث التي رواها الخلفاء الراشدون الاربعة مجتمعين !! وهذه الحقيقة دفعت الشيخ المصري الازهري محمود ابو رية رحمه الله الى تأليف كتاب سماه "شيخ المضيرة ابو هريرة" قبل أكثر من 50 سنة. والمضيرة هي نوع من الحلويات في تلك الايام (كالهريسة أو الكنافة) كان ابو هريرة مولعاً بها أيام معاوية بن ابي سفيان. فالشيخ ابو رية اراد بهذا العنوان ان يشير الى خلفية ابي هريرة الجائع المعدم التي انقلبت شرهاً ونهماً أيام عزه في زمان بني امية.
وحتى ايام الصحابة لم يكن ابو هريرة يحظى بالكثير من الاحترام. وقد عامله عمر بن الخطاب بقسوة وازدراء ومنعه من الحديث عن النبي(ص) , بل وشكّ في ذمته المالية فصادر نصف امواله. وبعد عمر أثارت رواياته الكثيرة جداً عن النبي(ص) امتعاض واستياء من بقي من كبار الصحابة فتصدوا له ونهروه , بل وكذبوه في بعض الاحيان, ومن هؤلاء سعد بن ابي وقاص والسيدة عائشة. ومن يفتح صحيح مسلم سيجد ابا هريرة يخاطب الناسَ ويقول " ألا انكم تحدّثون أني أكذبُ على رسول الله .... " ويكمل حديثه الذي يدافع به عن نفسه في وجه تهمة الكذب التي يبدو انها كانت شائعة بين الناس آنذاك.
سأكتفي بهذا القدر عن ابي هريرة , لأقول انني حين أشك في مصداقية كلام ابي هريرة وأردّ حديثه لستُ مُبتدعاً ولا آتي بشيئ جديد. وحتى الامام ابو حنيفة النعمان , مؤسس المذهب الحنفي, لم تكن أحاديث ابي هريرة حجة عنده وكان لا يأخذ بها الاّ بقرينة اخرى.
ويبقى سؤال : لماذا قال ابو هريرة هذا الحديث؟ لا نعلم السبب تماماً ولكنا ربما نخمّن أن أبا هريرة بحكم نهمه الشديد وحبه للأكل- خاصة مع خلفيته المُعدمة- لم يكن يبالي بالذباب الذي ربما كان يهاجم الطعام بكثرة , فقال هذا الحديث للناس لكي يأكلوا الطعام مثله " على البركة" دون أن يأنفوا او يلقوا به للمهملات.
انتقل الآن الى عصرنا الحديث , حيث نجد الدكتور "العبقري" زغلول النجار – طرزان الاعجاز العلمي في القرآن والسنة- يحوّل هذا الحديث الى معجزة وفتحٍ كبير لدين الله !! لا يمكن لشخصٍ متخصصٍ في ترويج مزاعم المعجزات العلمية الموجودة في القرآن والسنة أن يفوته حديث مثل حديث الذبابة! فالحديث هذا به نظرية علمية واضحة , وبالتالي فهو هنا ليس بحاجة الى ليّ أعناق العبارات والنصوص الدينية ليعطيها بعداً علمياً. النص صريحٌ ومباشر , وكل ما عليه أن يلجأ الى تلفيق إخراج علمي عصري يليق به! وهكذا كان, فالدكتور المذكور يكتب ما يلي على موقعه الرسمي على الانترنت " وقد أثبتت التجارب العلمية الحديثة الأسرار الغامضة التي في هذا الحديث .. أن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب هي أنه يحول البكتريا إلى ناحية .. وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب أو الطعام .. فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واحد منها هو مبيد البكتريا يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد جناحيه فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه .. ولذا فإن غمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة به وكاف في إبطال عملها " . وطبعاً هذا كلام هراء. فلم تثبت التجارب العلمية الحديثة شيئاً مما يتكلم عنه زغلول . وحتى يضفي زغلول شيئاً من الهيبة العلمية على كلامه لا بد له من استخدام مصطلحات مؤثرة على القارئ البسيط : باكتيريوفاج ! لنتابع القراءة من موقع زغلول الرسمي " كما أنه قد ثبت علميا أن الذباب يفرز جسيمات صغيرة من نوع الإنزيم تسمى باكتيريوفاج , أي مفترسة الجراثيم, وهذه المفترسة للجراثيم الباكتيريوفاج أو عامل الشفاء صغيرة الحجم يقدر طولها بــ 20 : 25 ميلي ميكرون فإذا وقعت الذبابة في الطعام أو الشراب وجب أن تغمس فيه كي تخرج تلك الأجسام الضدية فتبيد الجراثيم التي تنقلها من هنا فالعلم قد حقق ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بصورة إعجازية". وطبعاً على القارئ العادي أن ينبهر من هذا العلم الغزير الذي يتدفق من فم "الدكتور" خاصة مع البكتيريوفاج التي طولها 25 ميكرون ! وأما مصادر هذه الاخبار العلمية الرهيبة ؟ يجيبنا زغلول "وقد كتب الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة الإسكندرية بحثا عن حديث الذبابة أكد فيه أن المراجع الطبية القديمة فيها وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب ." اذن هي مصادر طبية قديمة بها وصفات باستعمال الذباب ! أية مصادر هذه ؟ كتاب ألف ليلة وليلة ؟! أم إلياذة هوميروس؟ وكأنّ زغلول يشعر ان كلامه عن أمين رضا والمصادر القديمة ليس مقنعاً بما فيه الكفاية للقارئ , فكان لا بد من مصادر حديثة, فما هي يا ترى؟ لنتابع "وفي العصر الحديث صرح الجراحون الذين عاشوا في السنوات العشر التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا .. أي في الثلاثينيات من القرن الحالي بأنهم قد رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب . ومن هنا يتجلى أن العلم في تطوره قد أثبت في نظرياته العلمية موافقته وتأكيده على مضمون الحديث الشريف مما يعد إعجازا علميا قد سبق به العلماء الآن". ما شاء الله. جراحون عاشوا في الثلاثينات من القرن العشرين صرحوا ..... ! من هم هؤلاء الجراحون ؟ وما مكانتهم العلمية؟ واين هي أبحاثهم؟ واين هي تصريحاتهم؟ وماذا عن الجراحين الذين اتوا بعدهم, ألم يصرحوا هم ايضاً عن فوائد الذباب في علاج الكسور والتقرحات؟ كلامٌ في كلام, يقذفه زغلول في وجوهنا ويريدنا أن نصدق أخباراً لا يقبلها عقل ولا منطق اعتماداً على جراحين الثلاثينات المجهولين هؤلاء ؟! هل يجوز ان يصدر هذا الكلام من شخص يحمل شهادة الدكتوراة ؟! نسأل هذا الدكتور : ألم يسمع بالمؤتمرات الطبية العالمية والمحترفة التي تنظمها كبرى الجامعات في امريكا واوروبا ؟ ألم يسمع بالدوريات العلمية المتخصصة التي تصدر عن أهم الهيئات الطبية في العالم ؟ ألم يسمع عن مراكز الابحاث الكبرى في المانيا واليابان؟ الا يعرف بوجود مايو كلينيك وغيرها من المستشفيات العظيمة ؟ ألم يسمع بالمختبرات الطبية المتطوة في سويسرا؟ ألا يدري ان منظمة الصحة العالمية نشيطة جداً في متابعة كل التطورات التي تحدث في المجال الطبي في العالم ولها هيئات تتابع وترصد وتناقش وتعتمد كل ما هو جديد من انجازات العلماء والباحثين؟
هذه هي المراجع العلمية فلماذا لا يأتينا زغلول بكلامها ؟
نسأل سؤالنا هذا ونعرف أن لا إجابة عند زغلول عليه. فكلامه كالزبَد الذي لا ينفع الناسَ بل يذهب جفاءً ....
ملاحظة : لمن شاء أن يطلع على موقع زغلول النجار وكلامه فهذا الرابط : http://www.elnaggarzr.com/index.php?itm=2fa4b55ef89d7659b1e4837a6a5ed0f5



