الأحد، 24 مارس 2013

من شهداء الرأي والموقف في تاريخنا : غيلان الدمشقي

فقد دفع حياته ثمناً لاعلانه رأيه الحرّ النيّر في مسألةٍ سعى الحكامُ الى ترسيخها في أذهان العامة لضمان طاعتهم واستمرار سلطانهم. تلك هي " عقيدة الجبر الالهي" التي بدأ ملوك بني أمية بفرضها على الرعية -بالتواطؤ مع فقهائهم – بعد استيلائهم على السلطة وانتهاء فترة الخلفاء الراشدين.
فقد بدأ التلاعب المُغرض والمقصود بمفهوم " المشيئة الالهية " الوارد في القرآن وتحويره وجعله نوعاً من القضاء المحتوم الذي يسيّر أفعال الانسان وحياته كلها فلا يملك الاّ التسليم لارادة الله التي شاءت كل شيء موجود في هذه الدنيا. فقد كان الأمويون يروجون للعقيدة الجبرية فيخاطبون العامة بمنطق بسيط فيقولون لهم : أن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلاً، إنما هو أمر الله و قدره, وإرادته التي سطرها في اللوح المحفوظ من قبل ان يخلق الكون. وقصدهم في ذلك طبعاً تبرير حكمهم للناس، واعفاء انفسهم من مسؤولية الظلم والقهر والفساد ورفع اللوم عنهم لما أحدثوه من تغييرات في نظام الحكم الإسلامي وتحويله الى مُلكٍ عضوض.
كان معاوية يقول "لو لم يرَني ربي أهلا لهذا الأمر، ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن فيه لغيّره".
وجاء الفقهاء من بعده ليجعلوا عقيدة الجبر هذه من صلب الاسلام ! فالامام أحمد بن حنبل كما ينقل عنه أصحابه يقرر - ويجعل ذلك من عقائد السلف - بأن " القدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره، من الله قضاء قضاه، وقدر قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل، ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدر عليهم لأفعاله، وهو عدل منه عز ربنا وجل، والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والمعاصي كلها بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة، بل لله الحجة البالغة على خلقه (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) وعلم الله عز وجل ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه - من لدن أن عصى تبارك وتعالى إلى أن تقوم الساعة - المعصية وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكل يعمل لما خلق له، وصائر لما قضى عليه وعلم منه، لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفاعل لما يريد، الفعال لما يشاء...
ومن زعم أن الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنى وجاءت بولد، هل شاء الله عز وجل أن يخلق هذا الولد ؟ وهل مضى في سابق علمه ؟ فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقا وهذا هو الشرك صراحا.
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أن هذا الإنسان قادر أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية.
بل أكل رزقه وقضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله عز وجل، وأن ذلك (ليس) بمشيئته في خلقه، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله. وأي كفر أوضح من هذا. بل ذلك بقضاء الله عز وجل وذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد، ومن أقر بالعم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة "
 
نعود الى غيلان - وهو كان رجلاً ألمعياً , مسلماً فاضلاً , من أصل مصري , يعيش في عاصمة الامويين دمشق-  الذي قرر ان ينقض عقيدة الجبر هذه من اساسها. فكان يرفض أن تنسب الشرور التي نفلعها نحن البشر إلى الله تعالى ويرفض رفضا تاما المنطق المتهافت الذي يؤصل باسم الدين أن جميع الشرور من قتل واغتصاب ودمار وآلام مصدرها هو الله .فكان يقول ان الإنسان هو المسؤول عن أفعاله وأنها تنسب إليه حقيقة لا مجازا وأن الله سبحانه أعظم وأجل من أن يجبرنا على الأفعال التي نفعلها ثم يلقينا بالنار بناء على جبره لنا . وكان يؤصّلُ لهذه الفكرة المنطقية الواضحة بأدلة شرعية قوية من القرآن والسنة ويؤمن إيمانا تاما بالعدالة الإلهية.
 
وطبعاً هذه الدعوة لا يمكن ان تروق للحكام الامويين. بل هي مصدر خطر داهم عليهم وعلى نظام حكمهم. لأنها تحملهم هم مسؤولية الفساد والظلم الذي كان عاماً , وتنزّه الله عن ذلك.
وقد زاد الطين بلة بنظر الحاكمين من بني أمية رأيه في موضوع الخلافة والامامة . فخلافاً لنظريتهم – التي ألبسوها ثوباً شرعياً- حول ان " الائمة من قريش" قال غيلان أنها تصلح في كل من يجمع شروطها، و لو لم يكن من قبيلة قريش (كل من كان قائماً بالكتاب و السنة فهو مستحق لها).


فكان لا بد من القضاء عليه. وتولّى ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك. ولكن كان لا بد من اضفاء صبغة شرعية على قرار اعدامه. فاستدعى الخليفة فقيه بلاد الشام المشهور آنذاك , الامام الاوزاعي, لكي يُفحم غيلان قبل الحكم عليه. ويروي الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق  , ج48 ص199-213" تفاصيل مؤلمة عما جرى. فقد جلبوا غيلان الى مجلس الخليفة وقام الاوزاعي بالدور المطلوب منه تماماً : أهدر دمه بعد مواجهة قصيرة مع غيلان المقيّد بلا حول ولا قوة. وما جرى أبعد ما يكون عن "المناظرة" أو الافحام بل هو أشبه بالمسرحية المصممة سلفاً للانتقام من صاحب الرأي الحر. واختتمها الاوزاعي بقوله لهشام بن عبد الملك " كافرٌ ورب الكعبة يا أمير المؤمنين"!
وكانت تلك الكلمة التي ينتظرها هشام . فأمر بقطع يديه وقدميه وصلبه على باب دمشق ! لكي يكون عبرة لمن يعتبر ولمن  يتجرّأ على التفكير الحر خلافاً لما تريده السلطة. ونتابع المشهد الدرامي الذي تذكره كتب التاريخ : فقد حاول أعداؤه أن ينتصروا عليه وهو على الصليب، فقال له أحدهم: “أنظر ماذا فعل بك ربك , يا غيلان هذا قضاء وقدر”  يريدون منه الإقرار بمذهبهم، لكنه رغم آلامه أصرّ على موقفه فقال بأعلى صوته: "كذبتَ لعمرو الله , ما هذا قضاء ولا قدر" واضاف “بل لعن الله من فعل بي ذلك”,,,,  مما دفع بهشام ان يأمر بقطع لسانه ايضاً !

وختاما أشير الى ان كتب التاريخ لم تنصف غيلان الدمشقي. بل انها تنحاز في مجملها الى موقف الحكام وفقهاء السلاطين. وأغلبها يشنّع عليه ويسوق ضده التهم والافتراءات, فيزندقونه ويخرجونه من الملة ويجعلونه منحرف العقيدة وعدوا للاسلام! اسلام هشام بن عبد الملك طبعاً.

 

رحم الله غيلان الدمشقي , وكل أصحاب الفكر الحر المستنير , في كل مكان وزمان

الجمعة، 22 مارس 2013

"الاعجاز الرقمي" , أو "العددي" في القرآن,,,,


الكثيرون من اخوتنا وبني قومنا لديهم إصرارٌ عجيب على أن القرآن الكريم هو كتابُ حروفٍ وارقام, وأحاجي وألغاز, وكلمات متناظرات ,,,,, وذلك بهدف اثبات فكرةٍ مُتكلّفةٍ في أذهانهم بشأن " الاعجاز الرقمي" في القرآن الكريم!

ولذلك نراهم منهمكين في العدّ والحساب , والتنقيب عن ألألفاظٍ وترتيبها, والضرب والقسمة ,,,, من أجل الوصول الى نتائج ظنوا أنها تُبهرُ السامعين وتُفحمُ الملحدين !  وهناك الكثير الكثير مما يُنشرُ في الفيسبوك بلا تدقيق ولا تمحيص عن الارقام في القرآن , منها مثلاً القول ان تكرار كلمة "الدنيا" هو نفسه لكلمة "الآخرة" , وتكرار كلمة "الحياة" نفس تكرار "الموت" , وان كلمة "يوم" ذكرت 365 مرة في القرآن, وكلمة "شهر" ذكرت 12 مرة ,,,, وغير ذلك. وهناك من المهتمين من قاموا بالتدقيق في هذه الارقام وبيّنوا انها غير صحيحة واتخذوا من ذلك حُجة على ضعف منطق أهل الاسلام. أي ان الادّعاءات المُلفّقة –حتى لو كانت بنيّةٍ حسنة- قد تكون نتيجتها عكسية. 


فليت هؤلاء يتوقفون عن هذا العبث, وإن شاؤوا أن يُفحموا الملحدين فليبحثوا عن أساليب أخرى,,,,

 

ونقطة أخرى : لم يتطرق أبداً عمالقة تفسير القرآن وعلومه ولا الأئمة الكبار في تاريخنا الى قصص العدّ والارقام هذه , ومن شاء فليراجع تفسير الطبري أو السيوطي أو الفخر الرازي أو القرطبي أو ابن كثير أو الشوكاني ,,,, فلن يجد من قصص الاحصائيات وألغاز الأرقام شيئا. فهؤلاء العلماء الكبار ركّزوا جهودهم على المضمون وتركوا القشور والتنطّع.    

وانا الآن بين يديّ الكتاب المشهور (إعجاز القرآن) للقاضي أبي بكر الباقلاني – الذي عاش قبل حوالي الف سنة. وهو يتكلم فيه عن بديع نظم القرآن وفرادته وروعة تأليفه وعجائب معانيه ودلالاته المُحكمة ,,,,,, بعيداً عن الجمع والطرح وسفسطات الأرقام.

 

وختاماً أقول لجماعة الأرقام : أوقفوا خدماتكم رجاءً . شكراً . فالقرآن الكريم ليس بحاجةٍ الى ألعاب الرياضيات هذه. 

الجمعة، 8 مارس 2013

الاعجاز العلمي في القرآن


القرآن الكريم كتاب عقيدة وايمان, كتاب عبادة وأخلاق, كتاب سلوك , كتاب معاملات بين البشر,,,, باختصار كتاب دين . وهذه بديهية ولا تحتاج الى كلام.

فالقرآن ليس بأي حالٍ كتاباً في الفيزياء النووية , ولا الكيمياء التطبيقية , ولا الطب والفارماكولوجي , ولا جيولوجيا طبقات الارض ,,,, ليس كتاب علوم طبيعية. وهذا لا يعيبه ولا ينتقص من قدره. وهو أصلاً ليس مطلوباً منه أن يكون كذلك. فتلك العلوم لها ميادينها , وأسسها المرتكزة على التجربة والخطأ , والماديات, والبرهان العلمي والتحليلي. تلك علومٌ مكانها الجامعات ومراكز الابحاث والمختبرات.

وبالتالي عندما نقول ان القرآن ليس به اعجاز علمي فليس ذلك قدحاً به , أبداً, وانما هو تقرير لحقيقة بديهية : الدين ميدانه ومجالُه قلوبُ المؤمنين وليس العلوم التجريبية والطبيعية , والخلط بين الاثنين خطأ جسيم.


ولكن نفراً من المسلمين ظنوا انهم يحسنون صنعاً عن طريق الادعاء بأن القرآن به معلومات طبية وفيزيائية وفسيولوجية وجيولوجية كثيرة ودقيقة سبق بها العلماء والباحثين الذين توصلوا اليها في القرون المتأخرة بينما هي موجودة وساطعة في القرآن ذاته من 1400 سنة ! وللأسف  هؤلاء لم يدركوا انهم بذلك يسيئون لأنفسهم اولا, وللقرآن ثانيا وللاسلام ككل, بسبب عملهم الركيك وسعيهم البائس وراء وهمٍ وسرابٍ اسمهُ الاعجاز العلمي. فالمتابع لما يقوم به هؤلاء النفر من عمل دؤوبٍ في هذا الاتجاه سيجد ان عملهم يتلخص بما يلي :
ينتظرون نتائج البحث العلمي الحديث وما يتوصل له الانسان (وبالتحديد في الدول الغربية لأن بلاد المسلمين وللأسف أرضُ بورٍ وخراب في نواحي العلم والتكنولوجيا) من اكتشافات واختراعات , فيأخذونها – على الجاهز – ثم يبدأون رحلة البحث داخل سور وآيات القرآن الكريم عن كلماتٍ ومفرداتٍ وجُملٍ تحتمل التأويل, وألفاظٍ يقدرون على ليّ عنقها لكي يستخرجوا منها – عنوة – ذات الاكتشافات التي توصل لها العلم الحديث ! أي ان المسألة كلها لا تعدو تلاعبا في الألفاظ وشططاً وغلواً في التأويل من أجل اثبات ما هو مُثبت بالفعل! لا يأتون بجديد أبداً , لا يشتغلون ولا يبحثون ولا ينتجون ما ينفع الناس بل يكتفون بالقول للعالم المتحضر : أبحاثكم واكتشافاتكم وانجازاتكم العلمية كلها موجودة في القرآن , والحمد لله رب العالمين ! ولا أحد منهم يسأل نفسه ابداً السؤال الجوهري التالي : لو كانت هذه " المعجزات " العلمية موجودة فعلاً في القرآن الكريم فلماذا اذن غفل عنها المسلمون كل هذا الوقت ؟! لماذا لم يدرِ بها كبارُ الفقهاء المتخصصين في علوم القرآن ؟! لقد ألّف الامام الطبري تفسيراً من ثلاثين مجلدا للقرآن الكريم ولكنا لا نجد به شيئا من المعجزات العلمية التي يتشدق بها المتنطعون في ايامنا. وتفسير ابن كثير ضخمٌ وموجود في الاسواق ,ولكنه يخلو من اية نظريات علمية ثبتت في ايامنا , فلماذا ؟ ألم يكن هؤلاء بقادرين على فهم القرآن؟ أم أن هناك في القرآن " شيفرات " سرية وكودات لا يفهمها الاّ زغلول النجار وعبد الدايم كحيل بعد ان يتم اعلانها في اوروبا وامريكا؟
ومن مظاهر عقدة النقص لدى هؤلاء اصرارهم على العثور على بعض الغربيين (حتى لو كانوا نكرات في المقاييس العلمية ) ليدعموا بهم مزاعمهم. وإن لم يعثروا على من يلبي طلبهم اخترعوهم ! فتراهم ملهوفين على ذكر " العالم الامريكي فلان " أو " البروفيسور الالماني علان " وبأنهم فعلاً انبهروا بالمعجزات التي في القرآن الى حد اشهار اسلامهم. ولو دققت في الأمر لاكتشفت التلفيق بكل سهولة, ولكنهم لا يبالون لأنهم يخاطبون عامة من الناس الذين يحبون سماع اخبار المعجزات والخوارق , فلا تدقيق ولا متابعة , بل تصديق أعمى لأنه يوافق هوى النفس.


وسأضرب مثالاً على إمكانية التلاعب بالكلمات والالفاظ للوصول الى اي نتيجة يريدها الانسان : كلمات المُضغة والعلقة والنطفة في القرآن. هذه الكلمات كلها ليس لها تعريف علمي محدد في القرآن بل وردت هكذا بلفظها العربي القديم. ويستطيع اليوم ان يأتي أيّ كان ليقول ان العلقة هي "الخلية" , ويأتي آخر ليقول ان النطفة هي "الكروموسوم " وثالث يقول ان المضغة هي الـ " دي ان آيه" وغير ذلك من معاني يستخدمها العلم الحديث هذه الايام, ويبني عليها نظريات علمية طويلة عريضة ينسبها الى القرآن الكريم. وواضح طبعا ان هذا كله شطط وتعسّف لأن ألفاظ القرآن ينبغي ان تفهم في ضوء كلام قريش القديم وما كان ساريا ايامهم , ويمكن الرجوع الى لسان العرب لابن منظور أو ما يناظره من معاجم للوقوف على ما تعنيه تلك الكلمات حقا, لا أن نأتي لنلصق بها مفاهيم ومصطلحات تعارف عليها علماء زماننا .


وهناك نقطة أخرى مهمة ينبغي ذكرها : فإلصاق اكتشافات ونظريات علمية حديثة بالقرآن الكريم يمكن ان يكون سيفا ذا حدين. فالمعلوم بالضرورة ان النظريات العلمية قابلة دائماً للتغيير والتطوير على يد علماء جدد قد يخالفون أو حتى ينقضون ما قام به سابقوهم من عمل بناء على معطيات أحدث واكثر تطورا مما سبق. فماذا نفعل لو حصل ذلك ؟ لو قلنا ان النظرية العلمية الفلانية أو ظاهرة معينة ذكرها القرآن وأشار لها , ثم حصل وتبيّن خطأها , هل سنقول ان القرآن أخطأ ؟! فكيف يخطئ القرآن وهو من عند الله؟ العلم قادر على القول : أخطأتُ وغيّرتُ وطوّرتُ , أما القرآن ؟؟ هل يقبل المؤمنون إخضاع القرآن لمعايير البحث العلمي الحديث؟؟ فلذلك من الضروري إبعاد القرآن الكريم عن مجال العلوم الطبيعية والتجريبية, حفاظاً على مقامه وقيمته.

 
والخلاصة ان الاعجاز العلمي وهمٌ يدور في اذهان البعض ممن ارادوا ان يُسدوا خدمة للاسلام فأخطاوا الوسيلة والمنهج فأهدروا الطاقات والاموال وأحدثوا صخباً وضجيجاً كثيرا , لا أكثر

الخميس، 28 فبراير 2013

مقولة " الأئمة من قريش "


هناك عددٌ كبير من الأحاديث " الصحيحة " التي تمجّد قبيلة قريش وتفرض على المسلمين ضرورة التسليم بشرفها والتبعية لها, والأهم من ذلك أنها تجعل من مسألة انفراد قبيلة قريش بالخلافة والحكم دون غيرها من بني البشر, إرادة إلهية عبّر عنها رسول الله(ص) وصرّحَ بها .

وفيما يلي بعض الأمثلة :

ففي صحيح البخاري : روى عبد الله بن عمر أن النبي(ص) قال:

" لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان"

وفي سنن الترمذي : قال عمرو بن العاص " سمعتُ رسول الله(ص) يقول : قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة"

وفي مسند احمد بن حنبل : قال عثمان بن عفان موصيا ابنه عمرو " يا بني : إن وليت من أمر الناس شيئا فأكرم قريشا. فإني سمعت رسول الله(ص) يقول : من أهان قريشا أهانه الله"

وفي صحيح البخاري أن معاوية بن أبي سفيان قال " ,,, فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه, ما أقاموا الدين"
 
هذا الفيضان من " الأحاديث " يطرح إشكالية صعبة جداً ومزدوجة أمام :
الذين يؤمنون بأن النص الشرعي جامدٌ ثابتٌ لا علاقة له بظروف الواقع بل هو عابرٌ للزمان والمكان ,
والذين ويؤمنون بشكل اعمى بصحّة كلّ ما رواه البخاري ومسلم وأهل الحديث.
 
اولاً : الواقع اليوم , وعبر التاريخ , يثبت ان ولاة الأمر (الحكام) ليس بالضرورة ان يكونوا من قريش. بل اننا الآن لا نكاد نرى حاكماً لبلدٍ اسلاميّ ينتمي فعلاً الى قبيلة قريش. فأين "ولاة الناس في الخير والشر الى يوم القيامة" ؟؟
ثانياً : ان هذه الأحاديث تتصف بالعنصرية الصارخة وتتناقض مع أسس الدين التي تقول بالعدالة والمساواة بين البشر؟ فلماذا تختص قبيلة قريش بشؤون القيادة والحكم حصراً ؟ هل هي عِرقٌ مقدّس ؟
 
بقي امامنا سبيلان :
إما أن نقول ان هذه الاحاديث مكذوبة وغير صحيحة , وبذلك نضرب عرض الحائط بأحاديث البخاري ومسلم .
واما ان نقول ان تلك الاحاديث صحيحة ولكنها تخص فقط ظروف تلك الحقبة التاريخية وتلائم اوضاع الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي , وبذلك تسقط نظرية الاحكام الشرعية العابرة للزمان والمكان.
 
فأيّ السبيلين نختار ؟؟
 
بل ان الامام مسلم روى في صحيحه ان ابا هريرة حدّث أن النبي(ص) قال: " نساءُ قريش خير نساء ركبن الإبل" !!!!!
 
 
 

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

التأصيل الشرعي لإباحة قتل المسلمين الابرياء "عند الضرورة"


يتعجب الكثيرون من جرأة تيارات السلفية الجهادية – القاعدة وأخواتها – على الدماء.   ويتضاعف العجب عندما نرى ان تلك الجرأة لا تقتصر على سفك دماء " الكفار " أو " الصليبيين " أو الغزاة الامريكان بل تتعدى ذلك لتصل الى حد قتل أناس ابرياء , مسلمين عاديين مسالمين, في خضم عملياتهم "الجهادية" التي يقومون بها في شتى انحاء العالم . فقد شاهدنا التنظيمات القاعدية وتفرعاتها وهي تقوم بعمليات تفجير في اندونيسيا والعراق والاردن والسعودية واليمن وسوريا وباكستان والمغرب وغيرها من البلاد الاسلامية – ولن نذكر بلاد غير المسلمين – ويسقط فيها ضحايا كثر من الناس العاديين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في المشاكل السياسية الحاصلة ولا علاقة لهم بالاعداء المستهدفين من قريب ولا بعيد.

فكيف تبيح القاعدة لنفسها قتل مثل هؤلاء ؟ كيف يسمح السلفيون الجاهديون لأنفسهم بقتل مسلم عاديّ , بريء, وهم يعرفون انه لم يرتكب ذنباً يستحق بموجبه القتل ؟؟ أليس ذلك حرامٌ شرعاً ؟

والسؤال البسيط هذا يكتسب وجاهته وأهميته اذا علمنا ان القاعدة وأخواتها ليسوا مجموعة من القتلة المأجورين ولا هم مرتزقة يسعون الى المال ولا هم عصابات للسطو المسلح , بل هم متطوّعون يهدفون الى الجهاد في سبيل الله كما يحثهم عليه دينهم. هم جماعة دينية تلتزم حرفياً بتعاليم دينها ومستعدون للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل دينهم الذي يتمسكون به الى أقصى حد. ولذلك فلا بد من وجود أصل شرعي يبيح لهم قتل المسلم البرئ . أي انه لا بد من وجود فتوى دينية تستند الى أدلة وحجج وبراهين شرعية تسمح لهم بذلك. وبدونها لا يمكن للقاعدة أن تفعل ذلك.

فأين هي تلك الفتوى ؟ ومن هو ذلك المفتي " الرهيب" وما هي أدلته الشرعية ؟

الأمر كله يرجع الى شيخ السلفيين الأعظم عبر التاريخ وامامهم الأكبر وفيلسوفهم ومنظّرهم ,,, شيخ الاسلام احمد بن تيمية. فإليه يرجعون, ومنه يأخذون , وكلامه عندهم حجة ما بعدها حجة.

فماذا يقول ابن تيمية ؟
هو رائدُ " فقه التترّس " الأبرز في تاريخ الاسلام. وملخص هذا الفقه الذي شرحه ابن تيمية باستفاضةٍ وتوسّع انه يجوز "عند الضرورة" قتل بعض المسلمين الابرياء في سبيل مصلحة اكبر تعلق بالاسلام والمسلمين. وخاصة اذا كان العدوّ يتخذ من هؤلاء المسلمين الابرياء ترْساً يقيه من ضربات المجاهدين فلا بأس من قتلهم معه ! أي ان المصلحة الكبرى –قتال العدو- تبرّر المفسدة الأصغر – قتل البريء . 

وسوف أقلل من كلامي انا وأترك المجال لابن تيمية لكي يعبر عن رأيه بكلماته هو (والنصوص من مجموعة فتاويه المطبوعة والمنشورة) .

ففي سياق حديثه الطويل بشأن المسلمين الذين كانوا مع التتار قال وهو يذكر الدليل الشرعي الذي يستند اليه في رأيه:

واضاف :

وتابع ابن تيمية :

وقال ايضاً:

واختتم فتواه قائلاً :

 

اذن الأمور واضحة عند ابن تيمية : يجوز قتل المسلمين الابرياء اذا اقتضت ضرورات الجهاد ذلك. والضحايا سيبعثون يوم القيامة على نياتهم وحسابهم عند ربهم.
وكذلك هي القاعدة وأخواتها اليوم. تقتل من تشاء من الناس " في سبيل مصلحة الاسلام". ولا داعي لتأنيب الضمير لأن الضحايا حسابهم عند ربهم الذي سيعوضهم خيراً إن كانوا ابرياء.
 
 وفتوى ابن تيمية جاهزة.

الجمعة، 13 يوليو 2012

صرنا في القرن الـ 21 ولم نتخلص بعد من آثار نظام العبيد والجواري

غير معقول في القرن الـ21 وأن لا يكون هناك اجماع في مجتمعاتنا العربية والاسلامية على تحريم وتجريم الرق والعبودية بكل اشكالها.
 وهنا 3 أمثلة :
الشيخ السعودي المشهور صالح المغامسي أثار مؤخراً ضجة ولغطاً عندما دعا رجال بلاده علناً الى الاستفادة من وجود رقيق في موريتانيا والمبادرة لشرائهم وعتقهم لكفارة اليمين . بل انه حدد سعر العبد بـ 10 آلآف ريال! وظاهرُ كلام الشيخ هو الرحمة بالعبيد (دعا الى عتقهم) ولكنه في الحقيقة لم يستنكر فكرة العبودية ولم يقل انها محرمة في أصلها بل دعا الى التعامل معها وتطبيق الاحكام التي كانت تصلح لمجتمع قريش في مكة أيامنا هذه.
وهذا الرابط

وهذا ايضاً

وأما هنا فالمذيع السعودي يتحدث في حوار تلفزيوني عن إهدائه " أمَة " من موريتانيا !! وهذا الرابط


وهذا خبر صحافي يتحدث عن العبودية في اليمن


هذه الامثلة توضح ان قيام الحكومات بمنع وتجريم ظاهرة العبودية ليس كافياً للقضاء على الظاهرة من جذورها. فحسب علمي المؤسسة الدينية الرسمية في العالم الاسلامي- وبالذات هيئة كبار العلماء في السعودية – لا زالت لا تملك الجرأة الكافية لتحرّم العبودية من حيث المبدأ تحريماً دينياً وشرعياً قاطعاً. وذلك أوضح ما يكون لدى تيار السلفيين  الذين يتعاملون مع نظام العبودبة على اساس انه غير موجود بحكم الامر الواقع ولكن لو تغيرت الظروف وصار الرق ممكناً فلا بأس به ! بل ان بعضهم يحن لنظام الجواري والعبيد ويتمنى عودته .


الأحد، 3 يونيو 2012

الالباني وحديث (لحم البقر داء)


الشيخ محمد ناصر الدين الالباني (توفي سنة 1999) هو من أكبر رموز سلفيي زماننا , وهو متخصص في علم الحديث النبوي  وقوله حُجة ما بعدها حجّة لديهم. فهو العلامة الأعظم الذي أمضى عمره في دراسة الروايات وغربلتها وتصنيفها اعتماداً على معاييرهم وأساليب شيوخهم ومراجعهم عبر التاريخ.

وقد أخرج الالباني الحديث التالي في "سلسلة الاحاديث الصحيحة" :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن الأبقار: ((ألبانها شفاء، وسمنها دواء، ولحمُها داء )).

وهذا الحديث كما لا يخفى على كل ذي عقل باطلٌ ومردود , وليس صحيحاً ولا حَسَناً , شاء الالباني أم أبى !
فهذا الحديث مخالفٌ للقرآن الذي أباح لحم البقر, ولسنة رسول الله ( الذي أكلها), وللعقل وللعلم وللمنطق ,,,,, ولا حاجة بنا الى اطالة الكلام في اثبات بطلانه فذلك ظاهرٌ ولا يُجادلُ به عاقلان
ومع ذلك فالعلامة الالباني لم يجد غضاضة في تصحيح الحديث واعتباره صادراً عن النبي(ص) فعلاً ! فما دام سندُ الحديث , أي سلسلة رواته, قد صحّ عنده – نقلاً عن شيوخه ومراجعه - فلا داعي اذن للنظر في المتن , أي نص الحديث, ولا في معناه ومدلوله,,,,,

ونحن نذكر هذا الحديث كمثال على الجنون السلفي والغلوّ الذي لا يعرف حدوداً
فالعقلُ عندهم لا يُشترى بقرشٍ واحد ,,, والتفكيرُ ممنوعٌ
التقليدُ , والاتباعُ الأعمى , والانغلاق وتقديس النصوص ,,,,,,,,, هو دينهم ومذهبهم  

هذا هو اسلامُ السلفيين الذي يدعون له في القرن الـواحد والعشرين !

الاثنين، 21 مايو 2012

عادل امام لا يستحق حملات التضامن معه


يتعرض الممثل المصري المشهور عادل امام هذه الايام الى حملة مضايقات وملاحقات قانونية في المحاكم المصرية يقوم عليها أشخاص من تيارات الاسلام السياسي. وتفيد الاخبار ان احدى المحاكم قد أصدرت عليه حكماً أولياً بالسجن لبضعة أشهر بتهمة " ازدراء الاديان "
ورغم اننا طبعاً ضد كل أشكال الاضطهاد الفكري وتكميم الأفواه الاّ أننا نجدُ أنفسنا مضطرين الى الابتعاد عن عادل امام ومشاكله مع متطرّفي الاسلام السياسي. فلن ننجرّ الى اتخاذ موقفٍ داعم له ولن نعتبره من ضحايا القمع الفكري. والسبب هو ببساطة ان عادل امام كان على مدى عشرات السنين يقوم بدور المخلب الاعلامي لجهاز مباحث أمن الدولة في عهد حسني مبارك. فقد كان عادل امام بوقاً دعائية للنظام الديكتاتوري الفاسد ويتولى مهمة محاربة أعداء نظام الطاغية مستغلاً شعبيته الكبيرة ومحبة الجمهور لأدواره الكوميدية وأفلامه.

كان عادل امام متطرفاً في تأييده للديكتاتور ونظامه المستبد , وقد تبنى كل سياساته جملة وتفصيلاً , بما فيها تلك السياسة الحقيرة التي انتهجها تجاه القضية الفلسطينية. وكلنا يذكر ذلك التحريض السافر والسافل ضد الشعب الفلسطيني والذي قام به عادل امام أثناء العدوان الصهيوني على غزة سنة 2008/2009. بل ان انحطاط عادل امام وصل الى حد التأييد السافر لتوريث الحكم لجمال حسني مبارك!

ليس عادل امام جزءاً من الحركة الليبيرالية / الديمقراطية , ولا هو من الاتجاهات التقدمية في مصر, بل هو مجرد بوق اعلامي لنظام فاسد معدوم الضمير. لم نسمع منه يوماً كلمة تضامن مع عشرات الألوف من المصريين الذين كانوا يقبعون في سجون مبارك بلا أي اساس قانوني وبدون تهمة محددة ,,, لم يتضامن عادل امام يوماً مع ضحايا التعذيب الوحشي في سجون أمن الدولة ,,,, لم يستنكر عادل امام تزوير ارادة الشعب في مهازل مبارك الانتخابية ,,, لم يفتح فمه بكلمة ضد حيتان الفساد والافساد من أمثال يوسف والي وأحمد عز ,,,, لم ولم
تجاهل عادل امام كل ذلك وصبّ كل دعايته الفجة على ضحايا حسني مبارك من معارضيه وأعدائه بحجة محاربة المتطرفين !

ونحن نرفض أن "نبتلع " ذلك , ونرفض أن تكون "فزاعة" المتطرفين وسيلة لترسيخ حكم الطغاة والفاسدين ,,,, ولذلك نقول لأصحاب حملات التضامن مع عادل امام من الليبيراليين: دعوكم منه , وانظروا غيره من المناضلين الحقيقيين في سبيل الحرية ,,,, دعوكم من قضايا تصفية الحسابات بين متطرفي الاسلام السياسي وفلول نظام مبارك , فهي ليست معركتكم

الاثنين، 7 مايو 2012

السلامُ مستحيلٌ مع دولة تلمودية متخلفة اسمها " اسرائيل "




" اسرائيل " هذه ليست دولة حداثية متقدمة كما تحاول أن تبدو و تدّعي  , بل هي دولة دينية من رأسها حتى أخمص قدميها.
" اسرائيل " هذه هي الدولة الاولى في العالم التي تأسست ونشأت على أساس الدين , ولا توجد دولة غيرها في العالم تأسست بالكامل على أساس الدين سوى باكستان.
علمانية " اسرائيل " ما هي إلاّ كذبٌ وخداع لا ينطلي إلاّ على السذج الذين لا يرون إلاّ ما يريدُ لهم سدنة الصهيونية أن يروه,,,
فحتى اسم " اسرائيل " هو دينيّ بحت : ليس بلداً ولا وطناً , بل هو اسم نبيّ يهوديّ تحدثت عنه توراة اليهود,,,,
" اسرائيل " هذه قامت ونشأت على أساس خرافة دينية قبيحة تتلخص في ان اليهود هم شعب الله المختار !
ولا تزال " اسرائيل " هذه , الى يومنا هذا , تتمسك بأسوأ قانون عنصري عرفته البشرية والذي تسمّيه " حق العودة " ! أي حق أي شخص يهوديّ بالتحديد في هذا الكون في أن " يعود " الى فلسطين ويستوطنُ فيها فوراً وبلا نقاش !
 وحتى الدين في " اسرائيل " عنصريّ قبيح ! والحاخامية اليهودية الرسمية في " اسرائيل " لا تزال تعرّف اليهودي بأنه الذي ولدته يهودية !!!
و " اسرائيل " هذه تعلي شأن حاخاماتها العنصريين المتعصبين , وتعتبرهم مرجعية لها , وتشرّعُ لهم القوانين التي تضمن استمرار سيادتهم , وتخصص لهم الميزانيات, وتحافظ على مزايا لهم لا يتمتع بها غيرهم ! وفقط طلابُ المدارس الدينية يتم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية (رغم شدة اهتمام الحكومة بالبُعد العسكري للدولة) !!!

ونترككم مع صور من احتفالات حاخاماتها بأحد أعيادهم المسمي بـ " عيد المساخر " !  

















الجمعة، 27 أبريل 2012

من فظاعات تحالف السلطة والتكفيريين في التاريخ




ذكر المؤرخ ابن كثير في " البداية والنهاية " :



" وفي سنة 408 (هجرية) استتابَ القادرُ بالله الخليفة فقهاءَ المعتـزلة ، فأظهروا الرجوعَ وتبرؤوا من الاعتـزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام ، وأُخِذت خطوطهم بذلك ، وأنـهم متى خالفوا أُحلّ بـهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالـهم. وامتثل محمود بن سبكتكين أمرَ أمير المؤمنين في ذلك ؛ واستنّ بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها ، في قتل المعتـزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبّهة ، وَصَلَبَهُمْ وحبَسَهم ونفاهم ، وأمرَ بلعنهم على المنابر ، وأبعدَ جميعَ طوائف أهل البدع ، ونفاهُم عن ديارهم . وصار ذلك سُنة في الإسلام"



وهكذا يقرر الخليفة العباسي إعدامَ كلّ مَن يُخالف المذهب الرسمي للدولة , وهو المذهب الذي تم الاتفاق عليه مع مجموعة الفقهاء الموالين للسلطة.

إذن الصفقة واضحة بين الطرفين : يُضفي الفقهاءُ الشرعية على الخليفة وحُكمِهِ ويُحرّمون الخروجَ عليه أو معارضته , وبالمقابل يقومُ الخليفة بفرض مذهب هؤلاء الفقهاء على الناس أجمعين بالقوة والإكراه ويُجبر الرعية على اعتناق مقولاتهم وآرائهم تحت طائلة القتل والتنكيل!



ولا بد لنا أن نلاحظ أن جام غضب الخليفة كان منصبّاً على المعتزلة ! وكيف أنه عرضهم على السيف لإرغامهم على التراجع عن أفكارهم , ومن لا يُعلنُ التوبة فالقتلُ مصيرُه المحتوم ! ولا عجب, فالمعتزلة هم أهلُ الفكر الحر ومذهبُهم يقومُ على العقل, والخليفة لا يحب العقل ولا الفكر ولا يريد سوى الطاعة والتسليم !

ولنلاحظ ايضاً كيف انبرى جلاوزة الخليفة , ممثلين بابن سبكتكين , بتنفيذ أمر الابادة بحق كل الفرق والمذاهب المخالفة بهمة ونشاط !


ولنلاحظ أخيراً أن هذا الاجرام قد صار " سنة في الاسلام"  كما يختتم ابنُ كثير الخبر

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

المؤآمرة ,,, وما أدراك ما المؤآمرة


صدّعوا رؤوسنا بحديثهم المكرر عن مؤآمراتٍ شيطانيةٍ تُحاكُ ضدنا ليل نهار من قبل أعداءٍ حاقدين متربصين بأمة المسلمين ,,, الغافلين , الضحايا , يا حرام !

منذ فجر الاسلام بدأ كلامهم عن المؤآمرات ولم يتوقف الى الآن .

قالوا لنا ان الفتنة الكبرى التي حصلت في عهد عثمان وعلي ومعاوية كان سببها يهوديّ لعين اسمه ابن سبأ   تظاهر بالاسلام ثم بدأ يتحرك كالسوبرمان بين اليمن والمدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر ليحبك خيوط مؤآمرةٍ شريرة ضد المسلمين , فانخدعوا به حتى انقسموا وتضاربوا بالسيوف – بمن فيهم أكبر كبار الصحابة! والحقيقة – التي لا يحبونها ويهربون منها - ان كل قصة ابن سبأ وأخباره كذبٌ وتلفيق من راويةٍ كذاب اسمه سيف بن عمر, لم يجد وسيلة لتبييض صفحة الصحابة إلاّ بإلقاء اللوم على عنصر خارجيّ خبيث !

واستمرت نظرية المؤآمرة في تفسير التاريخ عند كل خيبةٍ وتدهور واجهه المسلمون . فانهيارُ الخلافة العباسية كان ناتجاً عن تآمرٍ قام به الوزير " الشيعي " الخبيث ابن العلقمي الذي تواطأ مع التتار ضد الخليفة العباسي الجميل ! فلولا ذلك " الشيعي " الخائن لما اجتاح هولاكو بغداد ,,,,

وحتى الخلافة العثمانية يقولون لنا انها سقطت نتيجة مؤآمرة خطط لها يهودُ الدونما , الذين لولا خبثهم لاستمر حكم السلاطين البديع ,,,

وبعضُ الحمقى من عشاق الفكر المؤامراتي لم يترددوا بالقول ان أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن ليست سوى مسرحية رسم خيوطها الموساد الاسرائيلي الخبيث ! وقال آخرون انما هي خدعة كبيرة قامت بها أمريكا نفسها !!! الى هذا الحد وصل بهم الاستخفاف بالعقول

ومؤخراً اطّلعتُ على نظريات انتشرت عبر الايميلات والانترنت تعزو فيها أحداث الثورات العربية التي اندلعت مؤخراً الى مخططين " يهود " خبثاء : مرة يقولون انها أفكار هنري كيسينغر ومرة أفكار برنار هنري- ليفي ! لا بد أن يكون المخطِّطُ الرهيبُ يهودياً ,,,,



ونظريات المؤامرات الغامضة هذه لها عشاقها والمتمسكون بها والمروّجون لها ممن يظنون انهم " جابوا الديب من ديله " بكلامهم الكبير عن المؤآمرات الكبيرة التي لا ينتبه لها الغافلون البسطاء من أمثالي ,,,


ولكل هؤلاء أقول : أفيقوا من سباتكم وتوقفوا عن هذا الهراء , فلا أحدَ يتآمر علينا أكثر من عجزنا وجهلنا وغبائنا .....

السبت، 24 مارس 2012

منهج ابن خلدون في تصديق الأخبار أو ردّها



بعد أن استعرض ابنُ خلدون في مقدمة كتابه في التاريخ بعض النماذج من الأخبار العجيبة المحتوية على تفاصيل مستحيلة الحدوث وغير معقولة , وردت في بعض كتب التاريخ , قال :

" وأمثالُ ذلك كثيرة , وتمحيصُه إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسنُ الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها, وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة . ولا يُرجعُ إلى تعديل الرواة حتى يُعلم أن ذلك  الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع, وأما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح. ولقد عدّ أهلُ النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل.

وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية لأن معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها, وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط.

واما الأخبارُ عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة, فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدماً عليه"


كما تكلم عن أسباب الكذب في الأخبار فقال :

ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهلُ بطبائع الأحوال في العمران. فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله. فإذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب, وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض, وكثيراً ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثرُ عنهم"


وأنا سأترجم كلام العلامة ابن خلدون – رائد علم الاجتماع والتاريخ – الى لغة أيامنا هذه :

لا يجوز تصديق أي خبر نسمع به ما لم يكن ممكناً من الناحية العلمية أولاً . أي أن الخبر اذا كان به ما يخالفُ قوانين الطبيعة فلا يُنظرُ به من حيث المبدأ مهما كان سندُ هذا الخبر قوياً من ناحية الناقلين والرواة.


وأنا فعلاً أتحسّر عندما أقرأ هذا الكلام لابن خلدون – الذي عاش قبل حوالي 650 سنة – وأقارنه بما هو حاصل في بلادنا في أيامنا هذه. أتحسّر عندما أرى سهولة تصديق أخبار الخرافات والخوارق والاوهام بين الناس في مجتمعاتنا العربية,,,, يصدّقون بلا تفكير ولا تدبّر ولا عقل .


ولا عزاء لك يا ابن خلدون !